محمد بن علي الشوكاني
5258
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
[ 15 ] ، ومعاقرة العقار ، وخلع العذار والوقار ؛ فإن سامع هذه الأنواع في مجامع السماع لا ينجو من بلية ، ولا يسلم من مجنة ، وإن بلغ من التصلب في ذات الله إلى حد القصر عنه الوصف . وكم لهذه الوسيلة من قتيل دمه مطول ، وأسير بهموم غرامه وهيامه مكبول ، ولا سيما إذا المغني حسن الصورة والصوت ، كالمرأة الحسناء ، والغلام الجميل ، وما كان الغناء الواقع في زمن العرب في الغالب إلا بأشعار فيها ذكر الحرب . وصفات الطعن والضرب ، ومدح صفات الشجاعة والكرم . والتشبيب بذكر الديار ، ووصف النعم . فليحذر المتحفظ لدينه ، الراغب في السلامة ؛ فإن للشيطان حبائل ينصب لكل إنسان منها ما يليق به ، وربما كان الغناء على الصفة التي وصفناها من أعظم خدائع الخبيث ، ولا سيما لمن كان في زمن الشبيبة ؛ فإن نفسه تميل إلى المستلذات الدنيوية بالطبع ، وأيضًا السماع من أعظم الأسباب الجالبة للفقر المذهبة للأموال ، وإن كانت عظيمة القدر . وقد قال بعض الحكماء : إن السماع من أسباب الموت ، فقيل له : كيف ذلك ؟ فقال : لأن الرجل يسمع ، فيطرب ، فينفق ، فيسرف ، فيفتقر ، فيغتم ، فيعتل ، فيموت ( 1 ) .
--> ( 1 ) وما أعظم كلمات الشوكاني هنا في إشارة إلى أخطار السماع وأثره على النفوس والدين والعرض والمال والمجتمع . قال ابن القيم في " إغاثة اللهفان " ( 1 / 352 ) : فاعلم أن للغناء خواص لها تأثير في صبغ القلب بالنفاق ونباته فيه كنبات الزرع بالماء . فمن خواصه : 1 / أنه يلهي القلب ويصده عن فهم القرآن وتدبره ، والعمل بما فيه ، فإن القرآن والغناء لا يجتمعان في القلب أبدًا ، لما بينهما من التضاد ، فإن القرآن ينهى عن اتباع الهوى ، ويأمر بالعفة ، ومجانبة شهوات النفوس وأسباب الغي ، وينهى عن اتباع خطوات الشيطان والغناء يأمر بضد ذلك كله - ويحسنه ، ويهيج النفوس إلى شهوات الغي ، فيثير كامنها ، ويزعج قاطنها ويحركها إلى كل قبيح ، ويسوقها إلى وصل كل مليحة ومليح ، فهو والخمر رضيعًا لبان . وقال بعض العارفين : السماع يورث النفاق في قوم ، والعناد في قوم والكذب في قوم ، والفجور في قوم ، والرعونة في قوم . ثم قال رحمه الله ( 1 / 354 ) : ومن علامات النفاق : قلة ذكر الله والكسل عند القيام إلى الصلاة ونقر الصلاة ، قل أن تجد مفتونًا من الغناء إلا وهذا وصفه . - قال تعالى : { وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً } [ النساء : 142 ] . قال ابن القيم في " كشف الغطاء عن حكم سماع الغناء " ( ص 103 - 104 ) . والتحقيق في السماع أنه مركب من شبهة وشهوة ، وهما الأصلان ذم الله من يتبعهما ويحكمهما على الوحي الذي بعث به أنبياءه ورسله . قال تعالى : { إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى } [ النجم : 23 ] . فالظن الشبهة وما تهوى الأنفس الشهوة والهدى الذي جاءنا من ربنا مخالف لهذا . قال تعالى : { كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالاً وأولادًا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا } [ التوبة : 69 ] . فالاستماع بالخلاق وهو النصيب هو الشهوة ، والخوض هو الكلام بمقتضى الشبهة فهذان الداءان هما داء الأولين والآخرين إلا من عصم الله وقليل ما هم ، وهذا السماع قد تركب أمره من هذين الأصلين . فأما الشبهة التي فيه فهي تعلق أهله بالشبهة التي يستندون إليها في فعله ، كقولهم حضرة سادات المشايخ ومن لا يطعن عليه ، وأقره النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بيته ، وسمع الحداء وهو ضرب من سماع الغناء وسمع الشعر وأجاز عليه . . . وما هو صريح في الدلالة فكذب موضوع على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ومن الشبهة التي فيه أن الروح متى سمعت ذكر المحبة والمحبوب والقرب منه ورضاه حرك ذلك لما في قلبه شيء من المحبة الصادقة وهذا أمره لا يمكن دفعه ، فهذا نصيب الشبهة منه . وأما الشهوة فهي نصيب النفس منه ، فإن النفس تلتذ بسماع الغناء وتطرب بالألحان المطربة ، وتأخذ بحظها الوافر منه ، حتى ربما أسكرها وفعل فيها ما لا يفعله الخمر . فإن الطباع تنفعل للسماع والصورة ، والخمرة تسكر النفوس بها أتم سكر . ولهذا قال الله تعالى في اللوطية لما أخذهم العذاب { لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون } [ الحجر : 72 ] .